كليلة و دمنة لعبد الله بن المقفع

Photo by Maria Isabella Bernotti on Pexels.com

يُعدّ الكتاب كليلة و دمنة لعبد الله بن المقفع من أجمل و أروع الأمثلة للنثر العربي، و لا يزال الأدباء يقترحونه لتلاميذهم و يختارونه في مختاراتهم الأدبية لجزالة مفرداته و سلاسة تعبيراته و هو الجدير، بل الأجدر، أن يتّخذ نموذجًا للكتابة و الإنشاء ليقتفي الدارسُ بأثره الممتع و يذهب مذهبه الساحر. و هذه المقدّمة تحتوي على  التعرّف على الكتاب و المترجم.  

الكتاب

هو كتاب في تهذيب الأخلاق و إصلاح المجتمع البشري على ألسنة البهائم، و ضعه فيلسوف هندي اسمه بيدبا للمَلِك دبشَيلم الذي كان مَلِك الهند بعد فتح الأسكندر. و كان الملك باغيًا طاغيًا ، فأراد الفيلسوف بيدبا ، الذي كان وزيره أيضًا، إصلاحَه  بواسطة هذه الحكايات، و إنما جعلَ هذه القصص بألسنة البهائم لأنهم كانوا يعتقدون بتناسخ الأرواح على حسب معتقدات البراهمة.  

يقدّم الكتاب أنواعًا من الحِكَم و التجارب ممّا يحتاج إليها الناس في حياتهم ، و في تعاملهم مع الآخرين، فينصح بتجنّب الأشرار و الأعدء ، و الصحبةِ لإخوان الصفاء، و إعطاء الأهمية للعقل و التدبير، و عدم الاستهانة  بالصغير و الضعيف.

ظلّ الكتاب مختفيًا عن أعين الناس و محفوظًا في كنوز المُلُوك الذين كانوا لا يسمحون لأحدٍ أن يطّلع عليه حتّى القرن السادس الميلادي حينما أفضى عرش كسرى إلى أنوشروان، و كان محبًّا للعلم و الأدب و إصلاح المجتمع ، فبلَغه خبر هذا الكتاب و جعل يفتّش عن أخباره.  فبعث رجلًا طبيبًا اسمه برزويه لنقل هذا الكتاب ، و كان عارفًا لللغتين السنسكرتية و الفارسية. فسافر برزويه و قدم الهند و أسرّ على الناس ما هو بصدده و أظهر لهم أنه رجل يسافر لطلب العلم و الأدب و أنه محتاج إلى معونتهم في ذلك، و لم يزل كذلك ينتقل من بلد إلى بلد يُوهِمُهم بذكائه و دهائه حتّى ظَفَر بالكتاب و نقله من السنسكرتية إلى الفارسية.

ترجمة الكتاب

   قد ترجم هذا الكتاب عبد الله بن المقفع من الفارسية القديمة (البهلوية) إلى العريبة، و كان كاتبًا للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور في أوساط القرن الثاني الهجري.  وترجمته هي أهم الترجمات و أصلها قاطبة لأن أصله الفارسي و السنسكرتي ضَاعَ مع مرور الزمان، و لم يبق إلا ترجمة عبد الله بن المقفع من أقدم النصوص الأصلية. و من ترجمته العربية تُرجِم إلى لغات عديدة  منها اليونانية و التركية و الروسية و الانجليزية.  

عبد الله بن المقفع

وُلِد عبد الله بن المقفع من أبٍ فارسي غير أنه عربي النشأة و كان ضليعًا في الفارسية و ماهرًا بأساليبها المتنوّعة ، و ساعدته نشأته العربية التي كانت مليئة آنذاك بالأدباء و الشعراء، من تمكّنه في اللغة العربية و آدابها حتى أجادها و أصبح يشار إليه بالبنان، و في آخر عمره كان كاتبًا للأمراء و كان مختصّا بالكتابة السياسية و الدولة وبكتابة الترجمة

ابن المقفع أمّة في الأدب و الإنشاء و صاحب طريقة عُرفَت به و أُخِذت عنه، هي طريقة سهلة جارية مع الطبع ، عامرة بالمعاني خفيفة اللفظ. لقد امتاز ابن المقفع بميزات لا تُوجَد في شخص واحد عادةً، سهولة لفظه تجعل الكتابة في متناول الجميع، ليس للأدباء فقط، و عدم اهتمامه بالسجع الذي قد ذهَبَ برونق الأدب الساذج الطبعي، تجعل الكتابة خاليةً من  التكلّف و التصنّع في العبارة.

و كان آية في الترجمة، لا تُشمّ رائحة الترجمة و لا تُميز النقل من الوضع. و يلاحظ أنه حريص على الإيجاز و لا يأتي بالمترادفات إلا إذا كان المترادف يعطي توضيحًا و زيادةً للمعنى 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.